حين أصبح تغليف عقول الآخرين صناعةً، وأصبح اختراع الذكاء الحقيقي غريبًا بين أدعيائه

في هذه المادة
مسار الدليلخريطة الحجة
  1. 1

    القدرة المستأجرة وحدود ادعاء الأصالة

  2. 2

    الاختراع في المعمارية والكفاءة والتقييم

  3. 3

    أسئلة المستثمر عن منشأ القدرة

  4. 4

    الفرص الصناعية السعودية حتى 2030

مسارات لقراءة حجة المقالة وأمثلتها؛ وليست مقياسًا لترتيب الشركات.

تنزيل PDFنسخة المقالة بصيغة PDF17 صفحات · الحجم: 1.8 MB

في عام 1984، بدأت شركة هولندية صغيرة أعمالها في سقيفة يتسرب المطر من سقفها، قرب منشآت شركة فيليبس (Philips) في مدينة أيندهوفن (Eindhoven). كان مشروعها تطوير آلات الطباعة الضوئية (Photolithography) المستخدمة في صناعة أشباه الموصلات (Semiconductors). 1

اسمها ASML.

بعد أربعة عقود، أصبحت ASML الشركة الوحيدة التي تشحن أنظمة طباعة ضوئية تجارية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (Extreme Ultraviolet Lithography – EUV)، وهي من أكثر الآلات تعقيدًا في التاريخ الصناعي الحديث.

داخل إحدى هذه الآلات، تنطلق قطرات متناهية الصغر من القصدير المصهور، لتصيبها نبضات ليزرية متعاقبة، خمسين ألف مرة في الثانية. تتحول المادة إلى بلازما (Plasma) تبعث ضوءًا بطول موجي يبلغ 13.5 نانومتر، ثم ينتقل الضوء عبر منظومة بصرية فائقة الدقة ليسهم في نقش الدوائر المجهرية على رقائق السيليكون. 2

هذه الآلة ليست انتصارًا للهندسة الميكانيكية وحدها، بل حصيلة التقاء علوم البصريات (Optics)، وفيزياء البلازما (Plasma Physics)، وعلوم المواد (Materials Science)، وهندسة التحكم (Control Engineering)، والبرمجيات والقياس فائق الدقة (Precision Metrology).

والأكثر إثارة أن ASML لم تخترع كل هذه العلوم، ولا جميع مكونات آلتها. فقد بنت منظومة متخصصة من الموردين والشركاء، من بينهم شركة زايس (ZEISS) الألمانية في البصريات. أما شركة سايمر (Cymer) الأمريكية، فقد تعاونت معها ASML في تطوير مصدر EUV قبل أن تستحوذ عليها عام 2013 لتسريع تطويره. 3 4

لكنها امتلكت المعرفة الهندسية اللازمة لجمع هذه المكونات في منظومة لم يكن العالم قادرًا على إنتاجها بهذه الصورة من قبل.

ولهذا لم تصبح هولندا قوة في هذه الصناعة لأنها اشترت أحدث آلات تصنيع الرقائق، بل لأن شركة نشأت على أرضها أصبحت تنتج آلة يحتاج إليها صانعو أكثر الرقائق تقدمًا.

هنا يكمن الفرق بين امتلاك التقنية بوصفها سلعة، وامتلاك المعرفة التي تجعل إنتاجها ممكنًا.

وبينما كانت ASML تبني موقعها في الاقتصاد العالمي عبر تراكم المعرفة، أخذ يظهر في عصر الذكاء الاصطناعي نمط من الشركات يطمح إلى المكانة نفسها، ولكن بطريق أقصر كثيرًا: يستأجر الذكاء من شركة أخرى، ويضع فوقه واجهة أنيقة، ثم يكتب على موقعه الإلكتروني أنه طور تقنية ذكاء اصطناعي أصيلة (Proprietary AI Technology).

ولعلها المرة الأولى التي يصبح فيها تغيير اسم المنتج على الشاشة كافيًا، في بعض الأوساط، للانتقال من مستخدم للتقنية إلى مخترع لها.

مصانع الأغطية في عصر العقول المستأجرة

لقد أنشأ الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) فرصة تاريخية لبناء التطبيقات، لكنه أنشأ إلى جانبها سوقًا لا تقل ازدهارًا لصناعة الألقاب التقنية.

تستطيع شركة ناشئة اليوم أن تستخدم نموذجًا لغويًا كبيرًا (Large Language Model – LLM) طورته شركة أوبن إيه آي (OpenAI) أو أنثروبيك (Anthropic)، وأن تربطه بواجهة برمجية (Application Programming Interface – API)، وتضيف إليه نظام استرجاع معزز بالتوليد (Retrieval-Augmented Generation – RAG)، وبعض التعليمات (Prompts)، وأدوات لتنفيذ المهام (Tool Calling).

وبقليل من هندسة تدفق العمليات (Workflow Orchestration)، يظهر المنتج في صورة وكيل ذكي (AI Agent) يستطيع قراءة المستندات، وتلخيص الاجتماعات، والرد على العملاء، وإنشاء التقارير، والتعامل مع بعض أنظمة المؤسسات.

حتى هذه اللحظة، نحن أمام نشاط برمجي مفهوم، قد يكون مفيدًا ومربحًا.

ثم يحدث التحول المثير.

تبدأ الشركة في الحديث عن «محرك ذكاء اصطناعي خاص»، و«معمارية استدلال متقدمة»، و«نماذج ذكية مملوكة»، وربما ترتقي في وصف نفسها إلى شركة تقنية عميقة (Deep Tech)، بينما القدرة التي تتحدث عنها تسكن، في جوهرها، داخل نموذج GPT أو Claude أو غيرهما من النماذج التجارية.

لم يخترعوا العقل، بل اخترعوا اسمًا جديدًا له، ثم طالبوا السوق بالاعتراف بأبوتهم العلمية.

بعض هذه الشركات لا يملك من «محرك الذكاء الاصطناعي» أكثر من مفتاح وصول (API Key)، ومكتبة برمجية (SDK)، وتعليمات موجهة إلى نموذج مستضاف لدى الآخرين.

ومع ذلك، يحدثنا مؤسسها بحماسة عن معماريته المعرفية، وقدراته الاستدلالية، واستقلاله التقني.

والمشهد يستحق شيئًا من السخرية؛ فحين يقرر مزود النموذج تعديل أسعار الرموز (Token Pricing)، تتغير اقتصاديات اختراعه المزعوم. وحين يتوقف الاتصال بالخدمة، يختفي الجزء الأعظم من ذكائه. وحين يطلق المورد ميزة جديدة، تتحول شهور من «التطوير الثوري» إلى وظيفة مجانية متاحة للجميع.

إنها صناعة تستطيع فيها الشركة أن تعلن استقلالها المعرفي صباحًا، ثم تتلقى مساءً رسالة خطأ تقول: 429 Too Many Requests.

وما أكثر العقول المستقلة التي تتوقف عن التفكير حين تنتهي حصتها الشهرية من الرموز.

هذه الظاهرة معروفة في أوساط التقنية باسم تغليف واجهات النماذج (API Wrappers)، أو بصورة أكثر تحديدًا (GPT Wrappers).

وقد تتخذ شكل برمجيات مقدمة كخدمة (Software as a Service – SaaS)، أو منصات وكلاء (Agent Platforms)، أو حلول قطاعية (Vertical AI Applications) للطب والقانون والتعليم والخدمات المالية.

اختلاف القطاع لا يغير أصل القدرة.

فالمنتج الطبي الذي يستخدم Claude لتحليل وثيقة لا يصبح نموذجًا طبيًا أصيلًا لأن واجهته ترتدي اللون الأبيض. والوكيل القانوني الذي يستدعي GPT لا يتحول إلى اكتشاف في الاستدلال القانوني لأنه تعلم كتابة المذكرات بصياغة رسمية.

بل إن إضافة ألف وثيقة إلى قاعدة استرجاع، أو ربط الوكيل بعشرة أنظمة مؤسسية، لا تعني أن الشركة اخترعت نموذجًا لغويًا أو خوارزمية تعلم جديدة.

قد تكون بنت منتجًا ممتازًا، لكن المنتج الممتاز شيء، والاختراع في الذكاء الاصطناعي شيء آخر.

والمشكلة ليست في استخدام تقنية الآخرين. فالتاريخ الصناعي كله قائم على التراكم والاستفادة المتبادلة من الاختراعات.

المشكلة في تحويل اعتمادك على معرفة الآخرين إلى ادعاء أنك صاحب هذه المعرفة.

في الاقتصاد التقليدي، نسمي ذلك استيرادًا أو تكاملًا أو تطويرًا للمنتجات. أما في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح بعضهم يطلق عليه «بحثًا وتطويرًا رائدًا».

وهنا لم تعد المسألة مجرد مبالغة تسويقية، بل تشويشًا متعمدًا على معنى الابتكار، وعلى طبيعة الصناعة التي نريد بناءها.

سوق الليمون الذي يبيع العبقرية

في عام 1970، نشر الاقتصادي الأمريكي جورج أكيرلوف (George Akerlof) دراسته الشهيرة The Market for Lemons، التي أصبحت من النصوص المؤسسة لفهم عدم تماثل المعلومات (Information Asymmetry) في الأسواق.

درس أكيرلوف كيف يمكن أن يفشل السوق في التمييز بين السلع الجيدة والرديئة حين يعرف البائع ما لا يعرفه المشتري، وكيف يقود ذلك إلى ظاهرة الانتقاء المعاكس (Adverse Selection)، فتتراجع قدرة السوق على مكافأة الجودة الحقيقية.

أرى أننا أمام نسخة معاصرة من هذه المشكلة، ولكن السلعة هذه المرة ليست سيارة مستعملة، بل ادعاء امتلاك الذكاء.

يقف أمام المستثمر فريقان.

الأول أمضى عامًا في دراسة معماريات النماذج (Model Architectures)، وتحسين خوارزميات التدريب (Training Algorithms)، وتجريب استراتيجيات إدارة الذاكرة، وتطوير طرق جديدة لمعالجة اللغة.

والآخر أمضى أسابيع في بناء واجهة جميلة فوق نموذج تجاري.

يعرض الفريقان منتجيهما، فتأتي الإجابات متقنة، ويبدو العرضان متشابهين.

بل قد يكون عرض الفريق الثاني أجمل وأسرع وأكثر قدرة على إثارة إعجاب اللجنة.

ولأن كثيرًا من العروض الاستثمارية تختبر المخرجات الظاهرة أكثر مما تفهم منشأ القدرة (Technical Provenance)، يحصل الطرفان على الوصف نفسه: شركتان رائدتان في الذكاء الاصطناعي.

هنا تقع الجريمة الاقتصادية الصغيرة التي تكبر مع تكرارها.

حين تعجز السوق عن التمييز بين من يصنع المعرفة ومن يستأجرها، فإنها تبدأ بمكافأة القدرة على تمثيل الابتكار، بدل القدرة على إنتاجه.

ومن الطبيعي أن تنتشر الشركات القادرة على تقديم عروض مبهرة قليلة التكلفة، بينما تبدو المختبرات البحثية أبطأ وأعلى مخاطرة وأقل إبهارًا في المدى القصير.

فالباحث الذي يحاول خفض استهلاك الذاكرة بنسبة 20% قد يقضي شهورًا في اختبار فرضياته، بينما يستطيع مؤسس آخر تقديم وكيل يتحدث خمس لغات خلال أيام، مستفيدًا من نموذج لم يشارك في تطويره.

والأول قد يكون أقرب إلى صناعة تقنية يحتاج إليها العالم، بينما الثاني أقرب إلى صناعة منتج يحتاج إليه العميل.

لكل منهما اقتصاد مختلف.

لكن الخلط بينهما يبعث برسالة خطيرة إلى السوق: لا تتعب نفسك في تطوير العقل؛ تعلّم كيف تبيعه باسمك.

هذه الرسالة لا تشوه قرارات المستثمرين وحدهم، بل تعيد تشكيل طموحات جيل من الباحثين والمهندسين.

فالأسواق لا تكافئ المواهب فحسب؛ إنها تعلمها أيضًا ما الذي يستحق أن تصبحه.

وإذا كان الطريق إلى لقب «رائد في الذكاء الاصطناعي» يمر بتغليف GPT أكثر مما يمر بتطوير خوارزمية أو معمارية أو تقنية تدريب، فليس غريبًا أن تتكاثر شركات الواجهات، وأن يصبح العثور على المختبرات الجادة أكثر صعوبة.

نحن عندئذ لا نعاني نقصًا في الشركات.

نعاني فائضًا في ادعاء الأصالة، وعجزًا في إنتاجها.

لماذا سيأكل صانع النموذج أبناءه المستعارين؟

في أدبيات اقتصاد المنصات (Platform Economics)، توجد استراتيجية تعرف باسم احتواء المنصات (Platform Envelopment)، تناولها توماس آيزنمان (Thomas Eisenmann)، وجيفري باركر (Geoffrey Parker)، ومارشال فان ألستاين (Marshall Van Alstyne). 6

تحدث هذه الظاهرة حين تتوسع منصة كبرى إلى وظائف وأسواق مجاورة، مستفيدة من بنيتها التقنية وقاعدة مستخدميها وقدرتها على دمج الخدمات.

وما يحدث اليوم في الذكاء الاصطناعي يذكّرني بهذه الديناميكية.

ففي مارس 2025، أعلنت OpenAI عن واجهة Responses API وحزمة Agents SDK، مع أدوات مدمجة للبحث في الويب والملفات واستخدام الحاسوب، وحزمة لتنسيق الوكلاء.

كانت هذه وظائف تقدمها شركات ناشئة بوصفها منتجات مستقلة أو ميزات تقنية فارقة، ثم أخذت تتحول إلى قدرات تقدمها منصة النموذج نفسها.

والمعادلة هنا قاسية في بساطتها.

إذا كانت ميزتك التنافسية هي وظيفة يستطيع المورد الذي تستأجر منه الذكاء إضافتها في تحديث برمجي، فأنت لا تبني حصنًا تقنيًا؛ أنت تستأجر مساحة مؤقتة على أرض يملكها غيرك.

قد يكون منتجك ناجحًا اليوم، لكن نجاحه لا يعني أنك تتحكم في شروط بقائه.

وكلما تحسنت النماذج الأساسية (Foundation Models)، وازدادت قدرتها على استخدام الأدوات (Tool Use)، وتنفيذ المهام متعددة الخطوات (Multi-step Reasoning)، والعمل باستقلالية أكبر (Agentic Execution)، تقلصت المساحة التي تستطيع شركات التغليف بيعها بوصفها إضافة استثنائية.

قد تبقى شركات تطبيقات ناجحة تجاريًا لأنها فهمت عملاءها، أو أتقنت تكامل الأنظمة، أو بنت شبكات توزيع قوية.

لكن تلك مزايا في البرمجيات والأعمال، وليست شهادة باختراع الذكاء الذي يستخدمه المنتج.

والشركة التي يكون أعظم إنجاز تقني لها هو إخفاء اسم النموذج الأصلي، ستجد نفسها يومًا مضطرة إلى إخفاء حقيقة أشد إحراجًا: أن النموذج لم يعد يحتاج إليها أصلًا.

أرى أن هذا الفرز سيكون أحد أهم تحولات السوق خلال السنوات المقبلة.

ستضعف القيمة الاقتصادية لكثير من طبقات التغليف العامة (Generic AI Wrappers)، بينما ترتفع قيمة الشركات التي تمتلك خوارزميات أصلية، أو تقنيات أكثر كفاءة، أو نماذج متخصصة، أو بيانات ومعرفة صناعية تراكمية لا يمكن استعارتها باستدعاء برمجي.

وفي الوقت نفسه، ستتعرض شركات التطبيقات إلى ضغط أكبر كي تثبت أن لديها قيمة تتجاوز الوظائف المتاحة في المنصات الأساسية.

أما أولئك الذين يقدمون كل وكيل ذكي على أنه اكتشاف علمي، فقد تكون السنوات المقبلة أقل تسامحًا مع بلاغتهم التسويقية.

ففي التقنية، يستطيع تحديث واحد أن يهدم خطابًا استثماريًا بُني خلال سنوات.

الاختراعات الحقيقية تحدث خلف الشاشة

لفهم الفرق بين صناعة الذكاء وصناعة واجهاته، لا نحتاج إلى تأمل أضخم النماذج اللغوية في العالم.

أحيانًا يكون الاختراع أشد عمقًا وأقل استعراضًا.

في مؤتمر نظم معالجة المعلومات العصبية (NeurIPS) عام 2022، نشر الباحث تري داو (Tri Dao) وزملاؤه ورقة FlashAttention.

لم يكن هدفها تصميم روبوت محادثة جديد، بل معالجة مشكلة في تنفيذ آلية الانتباه (Attention Mechanism) المستخدمة في بنية المحولات (Transformers).

اكتشف الباحثون أن جزءًا مهمًا من بطء العمليات لا يأتي من الحسابات ذاتها، بل من حركة البيانات بين الذاكرة عالية النطاق (High Bandwidth Memory – HBM) والذاكرة السريعة داخل المعالج (Static Random-Access Memory – SRAM).

ومن خلال خوارزمية واعية بتكلفة نقل البيانات (IO-Aware Algorithm)، تعتمد على تقسيم العمليات إلى كتل (Tiling)، استطاعوا تقليل حركة البيانات وتحسين أداء الانتباه الدقيق (Exact Attention)، وحققوا تسريعًا وصل إلى ثلاثة أضعاف في إحدى تجارب الورقة.

لم يضيفوا زرًا جديدًا.

لقد غيّروا طريقة تنفيذ عملية رياضية أساسية، ثم استفادت من هذه المعرفة منظومات واسعة في صناعة النماذج.

وفي عام 2023، قدم باحثون في جامعة كاليفورنيا، بيركلي (UC Berkeley)، نظام vLLM وخوارزمية PagedAttention.

كان الإلهام هنا قادمًا من فكرة قديمة في أنظمة التشغيل (Operating Systems)، هي الذاكرة الافتراضية وتقسيمها إلى صفحات (Virtual Memory Paging).

فبدل إهدار مساحات واسعة من الذاكرة في تخزين مفاتيح وقيم الانتباه (Key-Value Cache – KV Cache)، طور الباحثون طريقة أكثر كفاءة لإدارة هذه البيانات أثناء الاستدلال (Inference).

وأظهرت التجارب المنشورة تحسنًا في الإنتاجية (Throughput) تراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف مقارنة بأنظمة مرجعية محددة، عند مستويات متقاربة من زمن الاستجابة (Latency).

تأمل الفارق بين هذه الأعمال وبين شركة تعلن أنها طورت منصة ذكاء اصطناعي لأنها ربطت نموذجًا تجاريًا بقاعدة بيانات.

في الحالتين توجد برمجيات.

لكن في الأولى توجد إضافة إلى المعرفة التي تعمل بها النماذج، وفي الثانية يوجد استخدام للمعرفة القائمة.

وهذا الفرق هو جوهر التقنية العميقة (Deep Tech).

لا يشترط الاختراع أن تبني نموذجًا ضخمًا من الصفر (Training from Scratch). قد يكون في معمارية جديدة (Novel Architecture)، أو خوارزمية تعلم، أو آلية ضغط (Model Compression)، أو تقطير معرفة (Knowledge Distillation)، أو طريقة لتخصيص النماذج أو تدريبها المستمر (Continual Pretraining)، أو اكتشاف يجعل استهلاك الموارد أقل مع المحافظة على الأداء.

فالعلم لا يتقدم بإعادة اختراع العالم كل صباح، بل باكتشاف علاقة جديدة، أو تجاوز قيد قديم، أو جمع معارف متباعدة في بناء يفتح إمكانات لم تكن متاحة.

ولهذا أحب أن أميز بين شركتين تبدوان متشابهتين ظاهريًا:

شركة تسأل: كيف نجعل النموذج الحالي ينجز مهمة لعميلنا؟

وشركة تسأل: كيف نطور التقنية التي تجعل هذه المهمة ممكنة بطريقة لم تكن متاحة من قبل؟

الأولى تبحث عن منتج.

والثانية قد تكون بصدد بناء صناعة.

موضع القيمة التقنية

وجه المقارنةبناء تطبيق فوق نموذجالإضافة إلى التقنية نفسها
السؤالكيف ينجز النموذج مهمةً للعميل؟كيف نطوّر التقنية التي تجعل المهمة ممكنة؟
موضع العملالواجهة وتكامل الأنظمة وسير العملالمعمارية والخوارزمية والتدريب والتقييم
القيمة الممكنةمنتج مفيد وميزة قطاعية أو تجاريةمعرفة وأصول تقنية تستطيع منتجات أخرى البناء عليها

مسراج ومعمل كون: من استهلاك الذكاء إلى إنتاج المعرفة

هنا أصل إلى ما أراه أكثر أهمية في مستقبل الذكاء الاصطناعي السعودي.

نحن بحاجة إلى شركات لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه خدمة تستدعيها فحسب، بل بوصفه حقلًا علميًا وهندسيًا تستطيع الإضافة إليه.

ومن النماذج المحلية التي أرى فيها ملامح هذا التوجه مسراج (Misraj AI)، ومعملها البحثي كون (Kawn Lab).

ما يستحق الاهتمام في هذه المنظومة هو أنها لم تحصر نشاطها في بناء التطبيقات والوكلاء فوق النماذج التجارية، بل اتجهت إلى أبحاث النماذج العربية وطرق تدريبها وتخصيصها، وإنتاج البيانات ومعايير التقييم (Benchmarks)، وهي مكونات أساسية لأي قطاع يريد امتلاك قدرته البحثية.

في أبريل 2025، نشر باحثون من مسراج ورقة علمية بعنوان Kuwain 1.5B: An Arabic SLM via Language Injection.

كانت الفكرة بحثية في أصلها.

هل يمكن إدخال لغة جديدة إلى نموذج لغوي صغير (Small Language Model – SLM)، مع الحفاظ على معرفته السابقة وتجنب تكلفة إعادة تدريبه بالكامل؟

انطلقت التجربة من نموذج TinyLlama مفتوح المصدر، ثم اختبر الباحثون توسيع طبقاته (Layer Extension)، وإضافة مفردات عربية إلى مقسم النصوص (Tokenizer)، وتجميد أجزاء من النموذج الأصلي (Layer Freezing)، وتدريب الطبقات الجديدة لتحقيق تكيف لغوي أكثر كفاءة.

أُضيفت قرابة 26 ألف وحدة نصية عربية (Arabic Tokens) إلى القاموس، ودرس الباحثون أثر مواضع الطبقات الجديدة، وتوزيع بيانات التدريب، والبدائل المعمارية.

وأظهرت نتائجهم تحسنًا متوسطًا بنحو 8% عبر الاختبارات العربية التي استخدموها، مع الحفاظ على قدرات النموذج السابقة.

ما يهمني هنا ليس الاحتفاء بالنسبة المئوية في حد ذاتها.

بل إننا أمام فريق يناقش مشكلة في التعلم ونقل المعرفة بين اللغات (Cross-Lingual Knowledge Transfer)، ويتدخل في معمارية النموذج (Model Architecture) وآليات تدريبه للوصول إلى حل.

هذا هو نوع الأسئلة الذي يفتح أبوابًا لصناعة تقنية.

ثم تأتي أعمال أخرى من منظومة مسراج وكون، مثل بصير (Baseer)، وهو نموذج رؤية ولغة (Vision-Language Model – VLM) مخصص لفهم المستندات العربية واستخراج بنيتها.

في ورقة أُتيحت عام 2025 بعنوان Baseer: A Vision-Language Model for Arabic Document-to-Markdown OCR، تناول الباحثون تحديات التعرف الضوئي على النصوص العربية (Optical Character Recognition – OCR)، من الاتصال بين الحروف إلى تنوع الخطوط والتشكيل وتعقيد تخطيط الصفحات.

استند العمل إلى نموذج متعدد الوسائط مدرب مسبقًا، ثم جرى تخصيصه باستخدام بيانات عربية، مع تطوير معيار تقييم (Misraj-DocOCR) لفهم المستندات. وحقق النموذج معدل خطأ في الكلمات (Word Error Rate – WER) بلغ 0.25 في الاختبارات المنشورة، متقدمًا في هذا المقياس على الأنظمة المقارنة ضمن مجموعة التقييم المستخدمة.

ولديهم كذلك أعمال في الترجمة العربية والإنجليزية مثل مترجم (Mutarjim)، والتشكيل الآلي مثل سديد (Sadeed)، ونماذج اللهجات مثل لهجاوي (Lahjawi)، إلى جانب مسارات في التمثيلات المتجهية (Embeddings)، والبيانات متعددة الوسائط (Multimodal Datasets)، والتقييمات البحثية. 12 13 14

هذه الأعمال لا تعني أن مسراج اخترعت كل نموذج تأسيسي استعانت به، وليس هذا أصلًا معيار الأصالة الذي أدافع عنه.

الفرق أنها لا تكتفي بإعادة تقديم القدرة المستأجرة باسم جديد؛ بل تدخل في بنية النموذج، أو طريقة تدريبه، أو تخصصه، أو أدوات تقييمه، لتنتج معرفة وتقنية يمكن البناء عليهما.

ومن يخلط بين الأمرين لا يفهم طبيعة البحث الحديث.

فـFlashAttention لم تخترع الشبكات العصبية، وPagedAttention لم تخترع الذاكرة الافتراضية، وASML لم تخترع الفيزياء الضوئية. ومع ذلك، أحدث كل منها مساهمة تقنية ذات قيمة عميقة.

الاختراع ليس شهادة ميلاد جميع المكونات.

إنه المساهمة التي تجعل تركيب المعرفة ينتج قدرة جديدة.

وهذا هو المسار الذي أرى أن مسراج ومعمل كون يمثلان نموذجًا رائدًا له محليًا، وأنه يستحق أن تتكاثر حوله مختبرات وشركات بحثية مماثلة.

فالقضية أكبر من نجاح نموذج عربي أو منتج بعينه.

إنها قضية بناء طبقة بحثية قادرة على إنتاج التقنية التي ستقوم عليها شركات المستقبل.

لماذا نحتاج إلى من يصنع السوق، لا من يملأه بالتطبيقات؟

كتب الاقتصادي جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter) عن الابتكار بوصفه قوة تعيد تشكيل الاقتصاد عبر التوليفات الجديدة (New Combinations)، وارتبط اسمه بمفهوم التدمير الخلاق (Creative Destruction). 16

في فهمه للتطور الاقتصادي، لا تقتصر الريادة على الدخول إلى سوق قائمة والمنافسة على حصصها؛ فقد يخلق الابتكار منتجات وأساليب إنتاج وأسواقًا جديدة، ويغير قواعد المنافسة نفسها.

وأرى أن هذا التمييز بالغ الأهمية بالنسبة إلى السعودية.

لدينا فرصة لبناء عدد كبير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهذا يحدث بالفعل في قطاعات مختلفة. لكن الإكثار من التطبيقات لا يكفي وحده لبناء صناعة معرفية عميقة.

فقد ننتهي إلى مئات الشركات التي تتنافس على تقديم خدمات تعتمد جميعها على النماذج العالمية نفسها، وتختلف في الواجهات والتسعير والقطاعات المستهدفة، بينما تبقى المعرفة الأساسية ومراكز تطويرها خارج هذه الشركات.

بل ربما نصل إلى مفارقة أغرب: سوق مزدحمة بالشركات التي تقدم نفسها بوصفها شركات ذكاء اصطناعي، لكنها تحتاج جميعًا إلى الخارج حين ترغب في تطوير جوهر التقنية التي تستخدمها.

سوق تملك ألف واجهة للعقل، ولا تملك ما يكفي من المختبرات لتطويره.

لهذا فإن أهمية الشركات البحثية العميقة تتجاوز منتجاتها المباشرة.

عندما يطور معمل مثل كون نموذجًا متخصصًا، أو طريقة تدريب، أو مجموعة بيانات، أو معيار تقييم، فهو لا يصنع أصلًا تقنيًا لنفسه وحده.

إنه يساهم في إنشاء بنية يمكن أن ينشأ حولها قطاع بأكمله.

فمعيار تقييم جيد يمنح الشركات هدفًا تقنيًا واضحًا للمنافسة. ومجموعة بيانات متخصصة تفتح المجال أمام تجارب جديدة. ونموذج صغير عالي الكفاءة يمكن أن يصبح أساسًا لعشرات المنتجات. وخوارزمية استدلال أسرع قد تخفض التكلفة عن شركات لم تشارك في ابتكارها أصلًا.

هكذا تتكون الأسواق المعرفية (Knowledge Markets)، وتظهر الآثار الخارجية للمعرفة (Knowledge Spillovers).

القيمة الحقيقية للبحث ليست محصورة في إيراد الشركة التي أجراه؛ بل تشمل ما يمكّن الشركات والمؤسسات الأخرى من البناء عليه.

وعندما يتحول الاكتشاف إلى أداة أو تقنية أو نموذج يمكن ترخيصه (Technology Licensing)، تصبح المعرفة نفسها سلعة تصديرية عالية القيمة.

هنا بالضبط تظهر أهمية وجود شركات من طراز مسراج ومعمل كون.

فهي يمكن أن تؤدي دورًا في صناعة السوق والقطاع، من خلال تطوير الأصول التقنية، وتكوين المواهب البحثية، وفتح مشكلات علمية جديدة، وتزويد الشركات التطبيقية بالتقنيات التي تمنحها تميزًا فعليًا.

إننا نحتاج إلى مؤسسات تشبه في أثرها المختبرات الصناعية التي أنشأت صناعات كاملة حول اكتشافاتها، لا إلى الاكتفاء بتمويل عدد متزايد من الواجهات.

ويعيدني ذلك إلى الاقتصادي فريدريش هايك (Friedrich Hayek) وفكرته عن تشتت المعرفة (Dispersed Knowledge)، وإلى الفيلسوف مايكل بولاني (Michael Polanyi) ومفهوم المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge). 15 17

فالمعرفة التقنية لا توجد كلها في الأوراق العلمية أو الشيفرات البرمجية. جانب منها يسكن خبرة الباحثين، وحدس المهندسين، وأخطاء التجارب، والقدرة على تشخيص المشكلات قبل أن تتضح أسبابها.

هذه الملكات لا تُشترى بالاشتراك الشهري في منصة سحابية.

إنها تتراكم داخل المؤسسات البحثية التي تتعامل مع المجهول بوصفه عملها اليومي.

وإذا أردنا بناء صناعة تملك القدرة على التجدد، فإننا بحاجة إلى مؤسسات تحفظ هذا التراكم وتنميه، لا إلى شركات تتغير هويتها التقنية كلما ظهر نموذج تجاري جديد.

المستثمر الذي يموّل المظهر سيحصل على سوق من المظاهر

لا أعتقد أن المشكلة في قلة الأموال المخصصة للذكاء الاصطناعي، بل في نوع الأسئلة التي نطرحها حين نقرر أين تذهب هذه الأموال.

حين تدخل شركة إلى السوق معلنة أنها طورت تقنية ذكاء اصطناعي أصيلة، ينبغي أن يكون السؤال الأول: أين تقع مساهمتك التقنية؟

هل طورت نموذجًا؟ هل غيّرت معماريته؟ هل ابتكرت طريقة تدريب أو خوارزمية أو نظام استدلال؟ هل تمتلك أوزانًا (Model Weights)، أو بيانات تدريب متخصصة، أو بنية تقنية مستقلة؟ هل تستطيع تحديد الفرق بين التقنية التي صنعتها والقدرة التي اشتريتها؟

هذه ليست أسئلة تعجيزية، بل أسئلة عن هوية الشركة نفسها.

ولا أرى سببًا يجعل الإجابة عنها محرجة إلا إذا كان الخطاب التسويقي أكبر من المنجز الفعلي.

أما إذا اكتفت الشركة بالحديث عن عدد الوكلاء الذكيين (AI Agents)، وتكامل أنظمة الأعمال، وقوائم الوظائف، وقدرات النموذج على الكتابة والتحليل، فهي تصف منتجها؛ ولم تقل لنا بعد ماذا اخترعت.

ومن المضحك أن بعض العروض تفصّل في شرح ما يستطيع GPT فعله، ثم تنسب كل تلك القدرات إلى الشركة صاحبة العرض.

وكأن النموذج انتقل عبر واجهة برمجية من مؤسسة إلى أخرى، وفقد في الطريق نسبه العلمي.

أرى ضرورة تطوير وعي استثماري مختلف تجاه التقنية العميقة (Deep Tech).

فالشركة البحثية لا ينبغي أن تُعامل بوصفها شركة برمجيات متأخرة في إطلاق منتجها، ولا أن يُطلب منها أن تحقق في أشهر ما تحتاج بعض اكتشافاته إلى سنوات.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تحصل شركة تغليف نماذج على تقييم بحثي مرتفع لمجرد أنها تحسن استخدام المصطلحات العلمية في عروضها.

نحن بحاجة إلى رأس مال يتحمل المخاطرة العلمية (Scientific Risk)، ويفهم دورات البحث والتطوير (R&D Cycles)، ويميز بين الملكية الفكرية (Intellectual Property) والتكامل البرمجي (Software Integration)، ويعرف أن بعض أشد الأصول التقنية قيمة لا تكون جاهزة للتحول إلى منتج جماهيري عند ولادتها.

الأهم من ذلك، أن نمنح الباحثين طريقًا واضحًا من المختبر إلى السوق.

فإذا استطاع باحث سعودي تطوير خوارزمية تسرع الاستدلال بنسبة معتبرة، أو معمارية أكثر كفاءة في استهلاك الذاكرة، أو طريقة تجعل النماذج العربية الصغيرة منافسة في مهمة متخصصة، فلا ينبغي أن يكون الخيار الوحيد أمامه البحث عن وظيفة لدى شركة عالمية، أو ترك اكتشافه في مستودع أوراق علمية لا يجد من يحوله إلى صناعة.

ينبغي أن يجد المستثمر الذي يفهمه، والشركة الصناعية التي تحتاج إليه، والسوق التي تكافئه.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من المؤسسين الذين يجيدون إقناع المستثمر بأنهم اخترعوا الذكاء الاصطناعي؛ نحتاج إلى مزيد من الباحثين الذين يستطيعون اختراع شيء يجعل هذا الإقناع غير ضروري.

ما الذي أراه قادمًا بحلول 2030؟

أرى أن مستقبل صناعة الذكاء الاصطناعي سيحمل مفارقة اقتصادية كبرى.

كلما ازدادت قدرات النماذج العامة (General-Purpose Foundation Models)، أصبحت هذه القدرات متاحة لعدد أكبر من المطورين والشركات، وتراجعت ندرة كثير من الوظائف التي تُباع اليوم بوصفها مزايا استثنائية.

قد يصبح بناء وكيل ذكي متعدد الأدوات (Multi-Tool Agent)، أو نظام يسترجع المعرفة المؤسسية، أو مساعد يؤدي سلسلة من المهام، أقرب إلى استخدام مكونات قياسية من منصة سحابية.

وفي هذه الحالة، ستفقد شركات كثيرة جزءًا من تفوقها القائم على تجميع هذه المكونات.

أتصور أن الموجة الحالية من شركات التغليف ستشهد فرزًا حادًا: بعضها سيصبح شركات برمجيات قطاعية ناجحة، وبعضها سيتحول إلى شركات خدمات وتكامل، وبعضها ستختفي ميزته حين تقدم المنصات الكبرى الوظيفة نفسها.

أما ادعاء امتلاك ذكاء اصطناعي أصيل، فلن يحمي أي شركة من هذا التحول.

وفي الوقت نفسه، ستزداد الأهمية الاستراتيجية لأربع مناطق من المعرفة: معماريات النماذج (Model Architectures)، وكفاءة التدريب والاستدلال (Training and Inference Efficiency)، والتخصصات الدقيقة للبيانات والنماذج (Domain Specialization)، والبنية الحاسوبية التي تجعل تشغيل الذكاء أقل تكلفة وأكثر موثوقية.

وأرى أن المنافسة لن تكون مجرد سباق إلى زيادة عدد المعاملات (Parameters)، بل سباقًا على العلاقة بين القدرة والتكلفة والطاقة وزمن الاستجابة والموثوقية.

قد تصبح تقنية تقلل استهلاك الذاكرة أكثر تأثيرًا اقتصاديًا من تطبيق يضيف ميزة جديدة إلى واجهة المحادثة.

وقد يكتسب نموذج صغير متخصص قيمة استراتيجية أعلى من نموذج أضخم، حين ينجز مهمة صناعية دقيقة بكلفة أقل ويمكن تشغيله داخل البنية المحلية للمؤسسة (On-Premises Deployment).

وقد تكون الخوارزمية التي تمنح آلاف الشركات تحسنًا محدودًا في تكلفة الاستدلال أكثر قيمة على المدى الطويل من عشرات التطبيقات التي تعتمد على نموذج واحد.

هذا هو المستقبل الذي أعتقد أن على السعودية الاستعداد له.

فنحن نمتلك اقتصادًا صناعيًا كبيرًا، وخبرة متراكمة في الطاقة والبتروكيماويات والمياه والنقل والخدمات المالية، وبيئات تشغيل تتضمن مشكلات يصعب حلها بنموذج محادثة عام.

هناك فرص في الذكاء الاصطناعي الصناعي (Industrial AI)، والنماذج الزمنية (Time-Series Models)، والتعلم من بيانات الحساسات (Sensor Data Learning)، والاستدلال منخفض التأخير (Low-Latency Inference)، وفهم الوثائق العربية، والأنظمة متعددة الوسائط (Multimodal Systems)، وتقنيات النشر الكفؤ على الأجهزة الطرفية (Edge AI).

هذه المجالات يمكن أن تصبح مصادر لاكتشافات قابلة للتصدير، إذا تعاملنا معها بوصفها مسائل بحثية لا مجرد فرص لإنشاء تطبيقات جديدة.

ولهذا أرى أن شركات ومختبرات من طراز مسراج وكون تستطيع أن تمثل نواة مهمة لتحول أوسع.

ليس لأنها ستحتكر الابتكار، ولا لأن نموذجًا واحدًا سيغير الصناعة بأكملها، بل لأنها تتبنى الاتجاه الذي نحتاج إلى تكثيره: الانتقال من استهلاك قدرات النماذج إلى تطوير المعرفة التي تحدد ما تستطيع النماذج فعله.

وهنا تتغير طبيعة الطموح.

بدل أن يكون السؤال: كم شركة سعودية تقدم حلول GPT للمؤسسات؟

يصبح السؤال: كم تقنية طورتها فرق سعودية أصبحت تستخدمها مؤسسات وشركات خارج السعودية؟

وكم نموذجًا أو خوارزمية أو أداة تقييم أو بنية استدلال خرجت من مختبر سعودي إلى منظومة تقنية عالمية؟

وكم شركة ناشئة قامت حول اكتشاف علمي، لا حول اشتراك تجاري في نموذج لغوي؟

هذه ليست مؤشرات تجميلية.

إنها مقاييس على الموقع الذي نحتله داخل سلسلة القيمة المعرفية (Knowledge Value Chain).

فقد نكون من أكبر أسواق الذكاء الاصطناعي في المنطقة، دون أن نكون من منتجي تقنياته المؤثرة.

وقد نستثمر المليارات في البنية الحاسوبية، دون أن نمتلك معرفة هندسية جديدة يحتاج إليها الآخرون.

الحجم يمنحنا حضورًا، لكن المعرفة الأصيلة تمنحنا نفوذًا.

البصيرة العلمية لا تولد من استمارة إثبات

هناك فكرة أرى أن الخطاب التقني المعاصر يسيء فهمها أحيانًا: أن كل رؤية للمستقبل يجب أن تبدأ بدليل تجريبي مكتمل.

هذا تصور يصلح للتحقق من ادعاء محدد، لكنه ليس وصفًا كاملًا لكيفية ولادة الاكتشافات أو بناء الاستراتيجيات.

العلم نفسه عرف دور الحدس (Scientific Intuition)، والاستبصار (Insight)، والاستدلال إلى أفضل تفسير (Abductive Reasoning)، والقدرة على رؤية العلاقات قبل صياغتها في صورة نموذج نظري مكتمل.

كان العالم والفيلسوف مايكل بولاني (Michael Polanyi) يرى أن جانبًا من المعرفة يتجاوز ما نستطيع التصريح به في قواعد وتعليمات، وأن الخبرة تولد قدرة على الإدراك يصعب اختزالها في وصف آلي كامل. 17

والتاريخ الصناعي مليء بقرارات لم يبدأ أصحابها من يقين إحصائي بالمستقبل، بل من رؤية هندسية أو علمية لم تكن قيمتها واضحة لمعظم معاصريهم.

لو اشترط رواد كل تقنية أن يقدم المستقبل أدلته كاملة قبل الاستثمار فيها، لما بقي للريادة معنى.

ولهذا فإن رهاني على تصاعد قيمة التقنية العميقة ليس ادعاءً بأن المستقبل قد كُتب، بل قراءة لاتجاه اقتصادي أراه يتكون من تراجع ندرة القدرات العامة، وتوسع سيطرة المنصات، وارتفاع قيمة المعرفة التي يصعب تقليدها.

هذه قراءة استراتيجية؛ والقراءة الاستراتيجية الجيدة لا تنتظر أن يصبح الاتجاه خبرًا قديمًا كي تجرؤ على تسميته.

لكن ثمة فرقًا بالغ الوضوح بين أن تستشرف مستقبل صناعة، وأن تدعي أنك اخترعت تقنية موجودة بالفعل عند غيرك.

الحدس حق أصيل للعالم والقائد ورائد الأعمال.

أما اختراع سيرة علمية وهمية لمنتج مبني على GPT، فليس حدسًا؛ إنه تغيير لبطاقة المنشأ.

أن تصنع ما يحتاج إليه العالم

أعود إلى ASML، تلك الشركة التي بدأت أعمالها في سقيفة هولندية متواضعة.

لم تصبح قوة عالمية لأنها أنتجت التطبيقات التي تعمل على الرقائق، ولا لأنها اشترت أفضل ما يصنعه الآخرون ثم أعادت تسويقه باسم مختلف.

لقد اختارت موقعًا أصعب وأعمق في سلسلة القيمة.

اختارت أن تنتج معرفة هندسية متراكمة، وأن تحوّلها إلى آلات تحتاج إليها شركات تصنع المنتجات التي يستخدمها مليارات البشر.

ولم يكن هذا الطريق أسرع الطرق إلى الشهرة أو الإيراد.

لكنه صنع نوعًا من النفوذ لا تمنحه كثرة التطبيقات وحدها.

وهذا ما أريده لصناعة الذكاء الاصطناعي السعودية.

لا أريد أن نقيس نجاحنا بعدد الواجهات التي تتحدث العربية فوق GPT، ولا بعدد الوكلاء الذين يحملون أسماء محلية، ولا بعدد الشركات التي تعلن أنها «رائدة في الذكاء الاصطناعي» بينما لا يتجاوز أصلها المعرفي اشتراكًا تجاريًا لدى أحد مطوري النماذج.

أريد أن نرى شركات بحثية سعودية تنتج نماذج وخوارزميات ومعماريات وطرق تدريب وأدوات تقييم تجعل العالم ينظر إلينا بوصفنا مصدرًا للمعرفة التقنية، لا مجرد سوق واسعة لاستهلاكها.

ولهذا فإنني أرى في مسراج (Misraj AI) ومعمل كون (Kawn Lab) مثالًا مهمًا على الروح التي نحتاج إلى تنميتها: روح المختبر الذي يطرح السؤال قبل أن يصمم الواجهة، ويبحث في بنية التقنية قبل أن يضع لها اسمًا تجاريًا، ويطمح إلى إنتاج المعرفة التي تستطيع شركات أخرى بناء منتجاتها فوقها.

قد يكون نجاح شركة تطبيقات في الوصول إلى آلاف العملاء إنجازًا تجاريًا معتبرًا.

لكن نجاح مختبر في تطوير تقنية تحتاج إليها آلاف الشركات من شأنه أن يفتح سوقًا بأكملها.

وهذه هي المسافة التي تفصل بين المشاركة في سوق قائمة والمساهمة في صناعة سوق جديدة.

لسنا بحاجة إلى محاربة استخدام النماذج العالمية، بل إلى إنهاء هذا التنكر المضحك الذي يرتدي فيه مستورد التقنية معطف مخترعها.

من يبني تطبيقًا فوق Claude فليقل إنه بنى تطبيقًا. ومن يقدم وكيلًا باستخدام GPT فليعتز بمنتجه. ومن ينجح في تطوير SaaS مربح فليحتفل بعملائه وإيراداته.

أما من يريد لقب شركة تقنية عميقة (Deep Tech)، فليكن عمقه في التقنية، لا في المفردات التي يصف بها واجهته.

فالعقول المستأجرة تستطيع أن تبني أعمالًا ناجحة، لكنها لا تمنح مستأجرها حق الادعاء بأنه صنع العقل.

وحين أنظر إلى العقد المقبل، لا يشغلني أن نصبح البلد الذي يمتلك أكبر عدد من التطبيقات التي تستدعي ذكاء العالم.

يشغلني أن نصبح البلد الذي يطوّر بعض المعرفة التي يحتاج إليها ذلك الذكاء لكي يصبح أفضل.

فالأمم لا تصعد إلى موقع صانع المعرفة بكثرة الأسماء التي تضعها على اختراعات الآخرين؛ بل حين يصبح لاختراعاتها اسم في ما يصنعه الآخرون.

والفرق بين الموقعين قد يبدو صغيرًا على شاشة تطبيق.

لكنه في ميزان التاريخ الصناعي، الفرق بين أن تكون زبونًا دائمًا للمستقبل، وأن تصبح أحد الذين يصنعونه.

المراجع والمصادر

  1. Our history — ASML.
  2. Light & lasers — Lithography principles — ASML.
  3. Lenses & mirrors — Lithography principles — ASML.
  4. Cymer — ASML.
  5. The Market for ‘Lemons’: Quality Uncertainty and the Market Mechanism — The Quarterly Journal of Economics / Oxford Academic.
  6. Platform envelopment — Strategic Management Journal / Wiley.
  7. New tools for building agents — OpenAI.
  8. FlashAttention: Fast and Memory-Efficient Exact Attention with IO-Awareness — NeurIPS.
  9. Efficient Memory Management for Large Language Model Serving with PagedAttention — ACM SOSP 2023.
  10. Kuwain 1.5B: An Arabic SLM via Language Injection — arXiv.
  11. Baseer: A Vision-Language Model for Arabic Document-to-Markdown OCR — arXiv.
  12. Kawn Lab — Misraj AI.
  13. Research and Publications — Kawn.
  14. Lahjawi: Arabic Cross-Dialect Translator — Association for Computational Linguistics.
  15. The Use of Knowledge in Society — Online Library of Liberty.
  16. Capitalism, Socialism, and Democracy — University of Connecticut course text.
  17. Primary Resources: Transcendence And Self-Transcendence — The Polanyi Society.