الإيمان والمعنىمقالة شخصية

حين تبقى النعمة وتغادرها البركة

في صيانة العطاء بالشكر، ومحاسبة النفس من غير أن نُحوّل البلاء إلى لائحة اتهام

تأمل في النعمة بوصفها أمانة تحتاج إلى شكرٍ يُرى في الاستعمال، وفي أثر المعصية بوصفه بابًا لمحاسبة النفس لا أداةً لتفسير مصائب الآخرين.

وعاء زجاجي من الماء على حافة حجرية، بجواره غصن زيتون في ضوء الفجر
ماء وضوء وغصن زيتون · لوحة تعبيرية مولّدة رقميًا

النعمة ليست إقامة دائمة

يقول ابن القيم: «وهل زالت عن أحدٍ قطُّ نعمةٌ إلا بشؤم معصيته؟». وروى أبو نعيم عن الفضيل بن عياض أنه قال: «إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خُلُق حماري وخادمي». لا تمنحنا هاتان الكلمتان حقَّ تفسير كل تغيرٍ يطرأ على الناس، ولا تجعل كل بلاء عقوبةً مباشرة على ذنب بعينه. معناهما الأقرب إلى القلب أن المؤمن يراقب أثر عمله في نفسه وحياته، ولا يحصر عاقبة الذنب في عقوبة ظاهرة تأتيه بعنوان واضح.

قد يترك الذنب ظلًا لا يسهل قياسه: تضيق النفس، ويقل التوفيق، وتفقد العلاقة شيئًا من لطفها، وتبقى النعمة في صورتها بينما ينقص من بركتها ما لا يُرى. وهذه مراقبة يوجّهها الإنسان إلى نفسه؛ فهي باب توبةٍ وأدب، لا نافذة يتلصص منها على أسرار أقدار الآخرين.

من أطرف أوهامنا أن نظن النعمة شيئًا حصلنا عليه وانتهى الأمر. كأن الراتب، متى دخل الحساب، صار من ممتلكات الجغرافيا؛ وكأن الصحة، حين تستقر في الجسد، توقّع معنا معاهدة عدم اعتداء؛ وكأن المحبة تستخرج إقامة دائمة لمجرد أنها سكنت قلبًا؛ وكأن الستر إذا طال أمده تحوّل من منحةٍ تتجدد إلى حق مكتسب.

نحن بارعون في عدّ النعم عند وصولها، وأقل براعة في التفكير في أسباب بقائها. نطلب الزيادة طويلًا، ثم نعامل الموجود كأنه لا يحتاج إلى صيانة. لذلك تخيف عبارة ابن القيم بقدر ما توقظ: إنها تصل ما نصنعه في الخفاء بما يصير إليه باطننا، وتدعونا إلى سؤال علاقتنا بالنعمة قبل أن نسأل عن مقدارها.

نحن بارعون في عدّ النعم عند وصولها، وأقل براعة في التفكير في أسباب بقائها.

فقدٌ لا يظهر في كشف الحساب

المعصية لا تحمل دائمًا مطرقة تكسر بها النعمة أمامك؛ وقد يكون أثرها أدق من ذلك. يبقى المال وتضيق بركته. يبقى البيت ويقل نصيبه من السكينة. تبقى الوظيفة ويثقل طريق التوفيق إليها. يبقى الجسد، لكن العافية التي كانت تجعل أيامه خفيفة لا تعود كما كانت. ويبقى العلم، ثم يعجز صاحبه عن الانتفاع بمسألة يحفظها حين يحتاج إليها.

الفقد، إذن، ليس دائمًا أن يُؤخذ منك الشيء. قد يكون من أشد الفقد أن يبقى في يدك ولا يعود يؤدي وظيفته في روحك. ولا يصل إشعار من البنك يقول إن نسبة من بركة الراتب خُصمت بسبب خلل أخلاقي هذا الأسبوع، ولا يرسل تطبيق الصحة تنبيهًا يخبرك بأن مؤشر الطمأنينة انخفض بسبب ذنب لم تتب منه. الأشياء الكبرى في الحياة تعمل غالبًا بصمت، وكذلك ما يصيبها من وهن.

قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. تجعل الآية الداخل موضعًا لا يجوز إهماله حين نتأمل تغير النعم: ما القيم التي تبدلت؟ وما الطاعة التي استُبدلت بها معصية؟ لكنها لا تلغي الأسباب المادية، ولا تعطينا معادلةً نرد بها كل خسارة فردية إلى خطيئة معلومة.

الإنسان في بداية المعصية لا يطلب الخراب. يريد لذةً عابرة، أو مالًا إضافيًا، أو انتصارًا صغيرًا للنفس، أو كلمة تشفي الغيظ، أو نظرة يظن أن أحدًا لا يعلم بها. لكن النار أيضًا لا تطلب الغابة كلها في البداية؛ يكفيها عود ثقاب، ثم تتولى السنن بقية الطريق إن لم يتداركها صاحبها.

الفقد، إذن، ليس دائمًا أن يُؤخذ منك الشيء. قد يكون من أشد الفقد أن يبقى في يدك ولا يعود يؤدي وظيفته في روحك.

عود الثقاب وإدارة التسويق

في «بدائع الفوائد» يشبّه ابن القيم المعاصي بالسموم؛ وقد يجتمع فيها شيء تحبه النفس مع ما يفضي إلى الألم. هنا تكمن المشكلة: لو كان الذنب كريهًا منذ اللحظة الأولى لما احتاج الإنسان إلى كثير موعظة. غير أن السم قد يأتي مغلفًا بوعد جذاب؛ فالربا يعد بالزيادة، والكذب يعد بالنجاة، والغيبة تعد بالتسلية، والكبر يعد بالهيبة، والحسد يهب النفس تفسيرًا مريحًا لتعثرها، وتسويف التوبة يعد بعمر طويل لم يوقّع لنا أحد عقده.

لكل معصية تقريبًا إدارة تسويق ممتازة، أما الآثار الجانبية فتختبئ في الصفحة السابعة والثلاثين بخط صغير. وحين تتغير الحال نبحث عن كل الأسباب إلا أنفسنا: إذا ضاق الرزق راجعنا الاقتصاد العالمي، وإذا اضطرب البيت قرأنا عن أنماط الشخصيات، وإذا ذهبت السكينة حمّلنا تطبيقًا للتأمل، وإذا تعثرت الأمور أعدنا ترتيب المكتب. وقد تكون هذه الأسباب والأدوات معتبرة فعلًا؛ غير أن قائمة المراجعة تظل ناقصة إن لم تتسع لسؤال أشق: ماذا غيّرتُ أنا؟

هذا السؤال لا يطلب منا إلغاء الطب أو الاقتصاد أو علم النفس، ولا أن نفسر كل عطل في السيارة بأنه عقوبة على ذنب ليلة الثلاثاء. إنه يعيد إلى الإنسان مسؤوليته الأخلاقية داخل شبكة الأسباب: هل ظلم؟ هل أخّر حقًا؟ هل تساهل في مال مشتبه؟ هل ترك لسانه ينهش الناس؟ هل استعمل نعمةً في الطريق الذي يفسدها؟

لكل معصية تقريبًا إدارة تسويق ممتازة، أما الآثار الجانبية فتختبئ في الصفحة السابعة والثلاثين بخط صغير.

المحاسبة ليست تفسيرًا للقدر

ثمة فرق يجب ألا يضيع بين محاسبة المرء نفسه وبين محاكمته غيره. في ميزان الوحي لا يدل البلاء آليًا على غضب الله؛ فقد صح عن النبي ﷺ أن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. وقد يكون البلاء رفعةً، أو تكفيرًا، أو تمحيصًا، أو رحمة لا ينكشف وجهها في وقتها. لذلك لا يحق لأحد أن ينظر إلى مصيبة غيره ثم يفتش له عن معصية تليق بها، كأنه موظف تحقيق في دائرة القدر.

وفي الوقت نفسه لا يصح أن نغفل عن أثر العمل في حياة صاحبه. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. تخاطب الآية الإنسان بما يوقظ المحاسبة، ويأتي ختامها ليمنع اليأس والغرور معًا: ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. نحن نعيش في فسحة واسعة من العفو، تحت ستر لا نعرف مداه، وننتفع برزق لا يجيء لأن أعمالنا قدّمت ثمنه كاملًا.

لهذا يكون موضع الكلمة الصادقة هو القلب حين يخلو إلى نفسه: يتوضأ صاحبه، ويجلس بين يدي الله، ويسأل عمّا يحتاج إلى إصلاح. أما إذا خرج من خلوته وفي يده لائحة يشرح بها للناس لماذا مرضوا، أو افتقروا، أو فقدوا أحبتهم، فقد ضيّع مقصد المحاسبة وحوّلها إلى قسوة.

ثمة فرق يجب ألا يضيع بين محاسبة المرء نفسه وبين محاكمته غيره.

الشكر فعلٌ قبل أن يكون قولًا

الطاعة ليست دفتر حسنات للمستقبل وحده؛ إنها أيضًا حراسة للحاضر. الصلاة حراسة، والصدقة حراسة، وغض البصر حراسة، وبر الوالدين حراسة، والعفة عن المال المشتبه حراسة، والاستغفار حراسة. أن ترد حقًا لا يعلم صاحبه أنك أخذته، وأن تمتنع عن جملة تستطيع أن تجرح بها سمعة إنسان، وأن تغلق شاشة لأن الله يراك: كل ذلك سياج تقيمه حول ما أُعطيت.

وربما لهذا كان الشكر أوسع من كلمة «الحمد لله» نقولها بألسنتنا ثم نستخدم النعمة في الاتجاه المعاكس. من مفارقات الإنسان أن يحمد الله على المال ثم يعصيه به، ويحمده على الصحة ثم يجعلها مركبةً إلى الحرام، ويحمده على الذكاء ثم يستخدم ذكاءه في الاحتيال، ويحمده على اللسان ثم يقضي به مجلسه في تقطيع أعراض الناس. يشبه هذا من يشكر إنسانًا على سيارة أهداها إليه، ثم يقودها ليحطم بيته.

قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. جاء الشكر هنا عملًا؛ لأن للنعم لغة لا تستوفيها الكلمات وحدها، ولغة النعمة هي الاستعمال. العين الشاكرة تعرف أين تنظر، والمال الشاكر يعرف طريق الحلال والصدقة، والعلم الشاكر يورث صاحبه خشيةً لا انتفاخًا، والمنصب الشاكر يأمن الضعفاء ظلم صاحبه، والقوة الشاكرة يشعر بها الضعيف حمايةً لا تهديدًا.

من هنا يصبح الذنب أغلظ من مجرد مخالفة للأمر؛ فقد يكون استعمالًا لعطاء الله في معصيته. يعطيك اللسان فتعصيه باللسان، ويعطيك المال فتعصيه بالمال، ويعطيك البصر فتعصيه بالبصر، ويهبك خلوة آمنة من أعين البشر فتبدأها بنسيان نظره سبحانه. ثم نتعجب حين تفقد أشياء جميلة في حياتنا شيئًا من لمعانها.

لغة النعمة هي الاستعمال.

الخوف على ما نحب

لعل السؤال الذي ينبغي أن يصاحب النعمة ليس فقط: كيف حصلت عليها؟ بل أيضًا: كيف أؤدي حقها، وما الذي يجب أن أتجنبه حتى لا أكون سببًا في إفسادها؟ فقد يبذل إنسان عشرين عامًا ليبني شيئًا، ثم تكفي عشرون دقيقة ليحرقه: سمعة صنعتها عقود وتسقطها رسالة، وأسرة بُنيت بسنين وتهدمها خيانة، وثروة جمعتها أعمار ويأكلها طمع، وعلم حفظته الصدور ويفسده كبر، ومحبة صنعتها المواقف ويقتلها احتقار صغير يتكرر حتى يضيق في القلب موضع الترميم.

الخسائر العظيمة لا تحتاج دائمًا إلى سبب عظيم يقع مرة واحدة؛ قد يكفي أن يتكرر سبب صغير حتى يصبح مصيرًا. ولذلك كان الصالحون يخافون من الذنب خوف الإنسان على محبوباته. لم تكن التوبة عندهم فرارًا من العقوبة وحدها، بل خوفًا من أن يفقدوا في أيامهم حلاوة المناجاة، أو توفيقًا اعتادوه، أو أن يُوكلوا إلى أنفسهم.

أن يُترك المرء إلى ذكائه وخططه وعلاقاته وقوته وحساباته الدقيقة ابتلاء لا تلتقطه الكاميرات. قد يملك الأسباب كلها، ويبقى الشيء المفقود هو التوفيق؛ وحين يغيب التوفيق قد تصبح العبقرية وسيلة متطورة لاتخاذ القرار الخطأ.

لهذا تبدو التوبة الخفية من أجمل ما يُرجى به حفظ النعم: ذنب قديم تتركه، ومال مشتبه تتخلص منه، وخصومة تبدأ أنت بإصلاحها، وحق تعيده، ومظلمة تتحلل منها، وباب كنت تدخل منه إلى المعصية ثم تغلقه. قد لا يرى الناس صلةً بين هذه الأعمال وبين ما يقلقك، لكن معرفتنا بالأسباب محدودة، والله يعلمها كلها. نفعل ما علينا من أسباب ظاهرة، ونصلح ما بيننا وبينه، من غير أن نزعم أننا أحطنا بحكمته أو ضمنّا نتيجة بعينها.

أن تبقى النعمة نعمة

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف الثراء: الغني ليس فقط من كثرت نعمه، بل من بقيت نعمه نعمًا. ما قيمة مال يسرق نومك؟ وما قيمة شهرة تسرق قلبك؟ وما قيمة نجاح يجعلك أسوأ إنسان عرفته؟ وما قيمة بيت فخم لا يُذكر الله فيه إلا على لوحة معلقة قرب المدخل؟ ليست المشكلة أن تفقد الأشياء وحدها؛ قد تكون المشكلة الأشد أن تتحول النعمة نفسها في يدك إلى حجة عليك.

من أذكى ما يفعله الإنسان حين يرى حياته جميلة أن يخاف عليها بطاعة الله؛ خوف محبة لا خوف هلع، مثل من يحمل كأسًا نادرًا بكلتا يديه فيخفّ مشيه لأنه يعرف قيمة ما يحمل. وفي النعم نحتاج إلى شيء من خفة المشي: أن نقلل صخب الاستحقاق، وأن نكف عن معاملة عطايا الله كأننا انتزعناها بكفاءتنا المحضة. كم من إنسان أذكى منا لم يُعط ما أُعطينا، وكم من مجتهد لم يُفتح له الباب الذي فُتح لنا.

النعمة لا تحتاج إلى الفرح وحده؛ تحتاج إلى أدب. ومن أدبها أن تعرف المنعم، وتستعمل عطاءه فيما يرضيه، وتعود إليه حين تزل. قال ابن القيم: «فما حُفظت نعمةُ الله بشيءٍ قطُّ مثل طاعته، ولا حُصِّلت فيها الزيادةُ بمثل شكره». ليست هذه موعظة تخيفك من الحياة، بل دعوة إلى حبها من غير أن تستعبدك: تفرح بما عندك، وتشكر من أعطاك، وتستغفر حين تخطئ، ولا تؤجل العودة لأنك لا تعرف أي نعمة في بيتك تعيش الآن تحت ستر العفو.

لسنا في حاجة دائمة إلى نعمة جديدة. أحيانًا نحتاج فقط إلى أن نتوقف عن إحراق النعم القديمة. وربما كان من أشد الفقر أن يرفع الإنسان يديه ليلًا ويقول: يا رب زدني، بينما يقول استعماله لكل ما أُعطي: ارحل.

الغني ليس فقط من كثرت نعمه، بل من بقيت نعمه نعمًا.